الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على جميع الأنبياء والمرسلين وخاتمهم محمد بن عبد الله وآلائهم وأصحابهم

نظرات في أسباب نهوض الأُمة ، وإشراق نورها على العالم من جديد

فالمشاعرالتلقائية الكامنة والمتحفزة المتولدة من أعماق جبلة أبناء وبنات أمتنا ، التي رسختها تلك المقومات ، والتي تترجم ظاهراً بالتغني الصريح بتفاصيلها ، والحنين الحميم إليها ، والتحليق والإشارات إلى غناها وجمالها ، ذلك ومثله يغذي تلك المشاعر الفردية والجماعية في ضمائر أبناء وبنات أمتنا ، مستندة إلى حقيقة سابقة اليقين بواقعيتها ، وقدرتها على الإشراق من جديد ، يأتي في مقدمة تفاصيلها : الاعتصام الصريح والباطن بمعاني وممليات قوله تعالى ( إنما المؤمنون إخوة ! ) اوالتي تتولد منها مشاعر حارة بانتماء مشترك لكل من أبنائها إلى ذلكم المصدر الزاهر ، دائم الإشراق ، منذ العصرالنبوي الأول ، يتولد منه كذلك اليقين الجامع بمشاعر الانتماء المشترك ، والمصير الواحد لأبناء الأمة ، مهما اختلفت الأمصار ، واختلفت اللغات ، وتعددت الأعراف ، أو بعدت المسافات ، واختلفت نظم الحكم التي تعاقبت ولا تزال عليها ..

وهي أوصار شهدناها في بلاد المهاجر تشد المسلمين إلى بعضهم وكثيراً ما تتفوق لديهم على أواصر قربة النسب ، يشهدها المرؤ تترجم تعارفا ًوتعاونًا تلقائياً .. حتى أضحى المغترب كثيراًما يشهد شركاء عمل هنا وهناك تجاراً وعمالاً ومتجاورين ذاك من إندونيسيا وشؤيكه من المغرب .. وآخرين أحدهم من بلد أفريقية نائية وآخر من تركيا أو عربي من إحدى البلاد العربية ..

فهي إذا ( المقومات الحية التي ثبت أنها عصية على الطمس ، الآهلة حال استثمارها على النحو المخلص الموافي للمساهمة المهمة في بعث الأمة من جديد ) الروابط الجاذبة التي أمدها هذا الدين لأبنائه لم تتأثر على توالي القرون والمحن والمتغيرات ...

والمتأمل الدارس المقارن يتحثث تفوق تلك المشاعر لدى المسلمين على غيرهم ..

أوليست تفيض وتثار مشاعرك ، فرحاًوحزناً ، حين تشهد أصفراً من تايلاند يتدارس القرآن في أحد مساجد الاغتراب مع آخيه الأسود القادم من أعماق بلاد أفريقيا ؟!!

ذلكم شيء يسير من ثمار أنوارومؤثرات ذلكم الكتاب الواحد الموحد الخالد ( القرآن الكريم ) ..

إن هناك الكثير الكثير ، مما لو عنى بشأن تأبطه وتنميته المخلصون من أبنائها ، من عواطف جياشة .. ومشاعرتلقائية بالحب والإقبال والإصغاء المتبادلين .. مختزنة متحفزة تنتظر التأبط من جديد !! وهي للعلم والتذكير ، تقوم على حقائق حية موثقة ، إسلامية ، فالنسك لدى كل أحد منهم واحدة وفي مقدمتها قبلة واحدة . وتاريخية ، كل يغرف من ذات المنهل ، القرآن الكريم والسنة النبوية . واجتماعية ، ذلك أن دينهم وإيمانهم يشترط عليهم أن يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه ... وهي روابط ودواعي أثبتت غلبة تفوقها وتقدمها لدى أبناء الأمة ، على غيرهم من أبناء الأمم الأخرى .. ذلك وغيره حي مشهود للمتأملين رغم اختلاف اللغات والأمصار. وهي عوامل مقومات على نحو تظل تجعل أبناءها آهلون لتلبية النداء والدعوات والاندفاع لرفد كل الشؤون وخصوصاً منها عام النفع لأمتهم ، بالأموال ، والأنفس ، والجهود .. ما يفضي للدعاة الذين يتأبطونها إلى فعل المعجزات في المنظور البشري ، ذلك ناهيك عن دور وأهمية ما يمكنهم فعله في مجتمعاتهم مغتربين وعائدين أو زائرين لبلدانهم الأصلية، وهي تفاصيل مهمة كثيرة ، من أهمية مواقعها الجغرافية ، وثرواتها البشرية ، والوطنية ، وعمق المقومات والأواصر في وجودها التاريخي ، ورساخة التراث والمثل المتداولة وثباتها على مدى قرون في وجه سائر الغزو والتغريب الثقافي والغزوات والمحن والأزمات ، على نحو يشهد تغنى كل منهم به ، وهو ومثله دلائل قوية سابقة لا ترد ، لرفد الأمة ومنحها القدرة على النهوض السريع فيما لو وجدت لها حملة كفئ، ...

وبديهي أن يجد إزاء ذلك في عصرنا هذا تداول السؤال المعلوم المقترن بتبادل التهم لدى مكوناتها من شتى الطوائف والاتجاهات الفكرية أو قل المذهبية حول من يتحمل المسؤولية الأكبر الذي آل بالأمة إلى ذلك الضعف والتخلف الحالين ، ومن ثم شهود المرء المتأمل ذلك التراجع أو الاندحار للأمة على أصعدة كثيرة في عصرنا هذا.

أهمية الشأن الذي نحن بصدد دراسته يملي على العاقل جمع النفس للنظر فيه ، على جديته ، وأولوية تأبطه آنا ومستقبلاً ، وهو لا يحتمل أدنى درجات التأجيل أو التسويف أوالتباطئ والتأخير ، بل العكوف الفوري والانكباب عليه ، والسهر بصدده بالكلية ، وإصرار تقصد الوقوف على أسباب الخروج منه ، بمقدمات ، وأولويات واجبة الاعتناء المباشر في تقديمها على غيرها روما للإنقاذ. وما لم يعني عقلاء الأمة بذلك ( على نحوه الوافي ومتابعته بمقتضياته وتقصداً لمفضياته ) فهم متهمون مهما تذرعوا بالتضييق والاضطهاد والإبعاد وغيرها من أسباب، ذلك أنهم يوقنون ( بما يحملون من كتاب ربهم ، اقتضاء الحرص على تحثث وتطوير وتصعيد أسباب ووسائل النهوض ، والمغالبة ، والاستمرار . وأنهم بتفهمهم لها ، تتضمن الفهم أن مواجهيهم ، كذلك ، لا يفترون منكبين في تحثث أسباب التفرقة والمناكفة ، وإعداد العدد الموافية لتبوير جهودهم ، بل والمبادرة إلى كل مواجهة ، بل ومفاجأة . وهم موقنون أن تلك المواجهة ، محتمة الأولية ،وهم لا يخفون مظاهرعكوفهم على تلمس السباب والتفوق في كل مجال وميدان ، ويبذلون في سبيل ذلك جل طاقاتهم و إمكاناتهم ، لا يفترون في استغلال الأوقات واستحداث الوسائل وتطويرها على نحو دائم ، للاستحواذ على بلادهم والسيطرة عليها ، وبسط النفوذ على شؤون أمتهم . وقد بدا بديهياً أنهم يدرسون أسباب دس الفتن ، وطرق العمل على التفريق بينهم وإشعال الحروب بينهم ، وتشتيت صفوفهم .  وفي سياق ذلك ، فإن لكل مجتهد نصيب ، في سنة التدافع ، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ، وفي ذلك فليتسابق المتسابقون ، وليتنافس المتنافسون وليتزودوا إلى ما هم مقبلين عليه في عاجلهم وآجلهم قبل حلول الآجال وفوات الأوان والمثول بين يدي الرحمن للسؤال ، ولات حين مناص ...
إنها مهام واجبة وذات أولوية ، إذا ، لا يصلح لها إلا مؤمنون عقلاء ، خلص ، متجردون من أبنائها ، ممن لا يحول دون مقاصدهم حائل يتعذرون حياله ، أو تكئة يبررون بها قصورهم ، أرقياء فوق الذوات وأذنابها ، وسع الصدور فوق اختلاف وجهات النظر ومملياتها ، عمق الأبصار ، نفُّذ البصائر ، سيعوا بعيدوا أفق النظر في أحوال أمتهم ، لا يفوتهم مكانة الأولويات وتقديمها ، وتأخير أو العمل على تذويب التفاصيل ولم شعثها وتوحيدها لصالح  الكليات والجوامع . موقنون في سبيلهم تلك ، لسوف تعوقهم معوقات ، من صفوفهم هم ، منها علماء السوء ، وحداث الأسنان ، قصر الأفهام ، وأن عليهم بداهةً العمل والإصرارو الحزم على إزاحتها ، ومن ثم الحرص المستميت على الصبر والمرابطة والمكوث الحثيث في تلكم السبيل ، وعليه يقتضي أن يحدوهم الحذر من فآت سفهاء القوم ، وما يرتجلونه من مواقف مربكة ، ومعوقة ، مفتتة ، مخلخلة للصفوف ، موجدة للصدع ، بوجوب الحجر عليهم ، إن تعذر علاجهم واحتواءهم، وفي سياق ذلك توجب عليهم في تفاصيل ذلك إمعان النظر في شؤون ومواقف كل على حدة من تلك الفآت والطوائف، تبعا لمعيار ذلك النور الذي سنه له نبيهم الخاتم ( صلى الله عليه وآله وصحبه الأطهار وسلم ) ، عالمون موقنون آناء ذلك أنهم في المواجهات المصيرية مخيرون شرعا وعقلا بالكيل لكل صنف مختلف من أعدائهم بذات أو مثيل أو القياس على ذلك الكيل الذي سنه لهم نبيهم الخاتم صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم:
- فهناك غيرهم من الأقوام ممن يقتضي الأمر ، حزم الأمر على مقاتلتهم..
- إلا أن ذلك لا يتم بل لا يصح أن يتم إلا بذات أساليب المواجهات التي لم يفتر نبيهم الخاتم الحرص على اهتبالها أو السفر إليها والحرص أما على :
- تأليف قلوب أبنائها تجاه المسلمين وقضاياهم على الأقل.
- وإلا فليكن ذلك أما بالتحالف معهم على أطر إنسانية عامة..
- وأما بمصالحتهم..
- وإما بموادعتهم..
- وإما بالحرص على تحييدهم..
ذلك أن شأن عداء الناس لبعضهم مثله ألوان الطيف ليست لونا واحدا كما يزعم المغفلين البدو أو الأعراب المتحاملين على العلم المصابين بعمى الألوان في هذا الميدان الناعقين بقولهم الممجوج الذي يفضح جهلهم وتهافتهم وافتآتهم على شريعة الدين وممليات العلم بزعمهم إذا عيت أفهامهم على العلم والفهم فينعقون بقولهم : الكفر ملة واحدة!
ولنستعرض هنا على نحو هادئ وعلى اختصار شديد مثلا لتأملات العقلاء :
إن نظرة متأنية في حال وواقع الأمة بطوائفها يلقي على نحو تلقائي في روع المرء ، أن أمته تلك ، التي تزعم مكوناتها الانتماء ووجوب الاجتماع على كتاب واحد ، الإسلامية عامة ، والعربية منها خصوصا ، كانت وستظل محط أنظار الدول والأحلاف الإقليمية المحيطة بها عامة ، والغربية منها خصوصا ، على أنه شأن مفهوم ، لا يختلف عليه عاقلان .
وأن المواجهات المصيرية التي يقتضيها ذلك الفهم والبداه ، يستحيل خوضها بقلوب متنافرة وصفوف متخلخلة..

وأنه على الرغم من مبرورية أسباب الخلاف في الرؤى والاجتهادات ، فإن من شذ عن ذلك الإطار العام الجامع للمسلمين يعتبر ضالا مضللا

يقتضي شرعا وعقلا تمييزه وعزله..

أما سوى ذلك ، فيما إذا تمكن من السطو على زمام قياد الأمة سفهاؤها ، واغتصاب عرصاتها ، والعض على مقاليد أمورها ، والعبث في تصريف شؤونها ، ولا يحصل ذلك إلا في حالات غلبة جبن العقلاء ، أو فشلهم على نحو ما ، دون إزاحتهم عن ساحات الفعل تلك ناهيك عن استئصالهم، وهي مفضيات لا تحصل إلا في حقب يسود غلبة ضحالة حصائل العلوم والثقافات المعارف العامة ، والقصور الغالب عن الإلمام بالكليات الجوامع، وسعة الأفق وعمق النظر، وهي كذلك مفضيات لا تحصل بدورها إلا في ظلال حكم مثل تلك الأنظمة التي سبقت الإشارة إليها ، إذ اقترنت على مر التاريخ ولاتزال مع أجواء يسود فيها ويعم ويتدنى فيها مستوى المتصدين الكفء لتوجيه شؤون التربية والتعليم ، نتيجة عكوف ذلك الحاكم المستبد على تقريب وتقديم وتسويد الموالين وحسب ، ووطء معيار الأخذ بالأكفأ. أما أُولئك الموالين فهم موالون للحاكم تبعا لمعايير مصالحهم وخضوعهم المطلق وتقديمهم لأغراضهم والوصول إلى مقاصدهم الفردية النفع وحسب ، وبذلك يضحي شأن المصالح العامة بينهم مدعاة للسخرية والتندر وتبادل قص الطرف في شؤون التنافس والتباهي في ميادين النهب والجمع وحيازة المكاسب ومن ثم تبادل كؤوس الشراب لسلو الأوقات وتبادل القهقهات وتوافق الإيماآت وحسب، إذ ليس لديهم ثم ما يعطونه، وهم فاقديه بالأصل.
كل ذلك لا يحصل إلا مقابل إزاحة وإبعاد العقلاء، أو قل فشل العقلاء في فرض أنفسهم، ومن ثم استهانة العامة بشأنهم ، ناهيك عن تقديمهم.
فإذا ما حصل ذلك ، أو بعضه ، فإن الخطب المحدق بالأمة ، يكون أوشك وقوعاً ، والخطر أعظم شأنا، وأوسع وأعمق وأشد تأثيرا، وأفدح هولا، إذ يحال بذلك المريض دون الطبيب ، ويطغى على القوم قادة علال العقول، وسفهاء الأحلام، همهم جمع الثروات واغتنام تربص نهبها بشتى السبل ومن ثم صرفها في الفساد والإفساد، وترك الأمة عرضة دأبا لسائر أسباب الضعف والفقر، وغياب الإنجازات، وحلول الهزائم المتوالية في كل مواجهة على سائر الصعد ، والاستسلام إزاء كل تهديد داخلي أو خارجي مهما كان ذليلا واهنا...

وهنا يبرز تساؤل بديهي تالي على كل لسان ، حول من يتحمل مسؤوليات ذلك الإنحطاط والاندحار ؟!

 وتشرئب حينئذ أصابع الإتهام ، من ، وفي كل اتجاه ، ذلك أن القوم ( في غياب العقلاء ) ألسنة أحوالهم تدندن ناطقة : نفسي نفسي ، لا يتقنون النظر أبعد من ذلك

...

  غسان كيالي بن أحمد / كتبها بتاريخ / 25/12/2006